مزمار السحر.. والقطيع..

في السبت, يونيو 28, 2014 16 بوحكم




قبل سنتين انتشر كاريكاتير يظهر صورة الأم توقف الأسرة عن تناول الطعام حتى تصور السفرة باحترافية للانستقرام.. ضحكنا يومها..
ثم أصبحت قديمة و..بايخة.. لأنها معتادة جداً وهي مشهد نراه باستمرار.. بل نمارسه أحياناً عفويا..

توقعنا أن تخف الظاهرة أو تنتهي.. لكنها للأسف تطورت.. وتطورت..
بدأ الناس بشراء الأطقم والصحون والتحف والكيك الفاخر فقط ليصوروا وينشروها في الانستقرام..
ثم تطور الهوس لمرحلة أن تغلف بعض الفتيات الهدايا وتضع إهداء لنفسها.. لتكتب تحته تعليقا.. "واوو شكرا روري على الهدية مرة نايس" - حيث روري شخصية مجهولة تدعي صاحبة الحساب أنها صديقتها التي تغدق عليها بالهدايا (وهذه القصة ليست من نسج الخيال بل اعترفت لي بها إحدى الفتيات طلباً لحل مشكلتها مع سؤال أقاربها وزميلاتها عن هذه الروري)..
وتطور حتى وصل لحساب يبيع الأكياس الورقية للماركات لمن يريد أن يضعها في صوره ليوهم الناس أنه اشترى..!!

إن ما يحصل في انستقرام.. ليس ناتجا عنه كوسيلة إعلام اجتماعي صوري..
فهو مجرد وسيلة.. كان بالإمكان استخدامها في أمور لطيفة ومفيدة.. كتصوير بساطة الحياة.. وجمالياتها العفوية والطبيعية..
ضحكة طفل.. غروب شمس.. مبنى تراثي جميل.. تصوير طبيعة الحياة في مدينة.. نقل تراث.. عمل فني.. 
أو لنقد أخطاء.. ومناقشتها..

لكنه تحول لدينا فجأة.. إلى فضاء عام تم استغلاله بقوة لإظهار الترف والرفاهية والسعادة.. 
أصبح كقاعة أو معرض نبرز فيها ذواتنا..
للأسف.. استغل الناس وبالذات النساء انستقرام كفضاء عام يتنافسن فيه ويحاولن صنع "قيمة" لأنفسهن بالشيء الوحيد الذي يمتلكنه.. .. المادة..  مال.. سفر.. قصور.. مطاعم فاخرة.. مقتنيات ثمينة.. مظهر (ويستبدل بمظهر طفلة أحياناً)..

فانتشرت حسابات.. لا هم لها سوى إظهار نفسها كأيقونة للرفاهية والترف السعادة..
سواء أكانت هذه الرفاهية حقيقية أم مصطنعة.. 
كل ما تدور في فلكه هذه الحسابات.. هو.. الجمال.. الرفاهية.. الترف.. الكمال!

تصور المنازل بالأثاث الفاخر.. الأطفال الكاملي الجمال.. الهدايا الثمينة.. رحلات السفر الخيالية.. الصحون الغريبة..  
وانجذب الناس كالمغناطيس لهذه الحسابات..
لم يكن أحد يشعر.. أن هذا.. هو مرض.. الاستهلاكية.. ينتشر بالتدريج كعدوى قاتلة..

وهو لا يصيب إلا أولئك الفارغين.. لذين ليس لديهم ما يتميزون به سوى مايملكونه من مادة.. فقط..
ليس هناك فكر.. ولا ثقافة.. ولا أهداف.. ولا هوية..
المصحف تضعه فقط قرب المسباح والمبخرة الفاخرة لصورة احترافية في يوم الجمعة أو رمضان..
الكتاب أصبح مجرد ديكور تضعه الفتاة قرب الوردة وكوب اللاتيه.. ليظهرها بمظهر المثقفة..


هذه الاستهلاكية المقيتة.. التي جعلت الناس يتنافسون بشدة على الشراء والشراء.. كمخلوقات مبرمجة:
لنشتري.. نشتري.. لنتنافس.. من الأفضل؟  من يملك مادة أكثر..؟
أثاث.. صحون.. ملابس.. حقائب.. سيارات.. سفر.. مطاعم.. هدايا..

هي أحد أذرع الفكر الرأسمالي المتوحش..
الذي يرى أن الإنسان مجرد آلة.. فرد.. يجب أن يعيش ليعمل ويستهلك ويتلذذ فقط.. 
لا مجال لديه للتفكير.. للدين.. للقيم.. للأهداف.. للثقافة..
الأهم هو أن يستهلك.. 
الفكر الرأسمالي يبرمج عقول الناس.. على أن سعادتهم في الشراء فقط.. وقيمتهم في الشراء.. وهدفهم في الحياة هو الشراء..
بدون أن تشتري وتمتلك أكثر وأغلى.. أنت لا شيء..

الرأسمالية الأمريكية.. تحاول وبقوة أن تبرمجنا على هذه الرسالة.. عبر الإعلانات.. الأفلام.. المسلسلات..
ترسم لنا دائماً صورة البطل السعيد الغني.. حتى في أفلام االكرتون.. البطلة أميرة تملك كل شيء.. القصر والملابس والأحذية والأطعمة.. السعادة المطلقة..
الإعلانات توصل هذه الرساالة أيضاً: مجوهرات كارتييه هي قيمتك.. ساعة الروليكس بالألماس هي تميزك.. قلادة تيفاني هي رمز الحب.. هنا السعادة يا نساء!!
نسمع عبارات مثل.. دللي نفسك.. رفهي نفسك.. أنتي تستحقين.. 

هذا صوت مزمار السحر.. الذي يخدر العقول..
نعم.. يخدر الشعوب والأمم ويمنعها من أن تصحو لتفكر بمصالحها الحقيقية..

من الذي يستفيد من استهلاكنا المحموم؟
إلى أين تذهب هذه الأموال؟
إلى الشركات العملاقة التي تمتص جيوبنا من جهة.. ثم ترسل لنا المزيد من الرسائل الساحرة من جهات أخرى..

ونبقى نحن ندور داخل فلك الاستهلاك..  
نشتري.. ونعرض.. يرانا غيرنا.. ويغار.. ويقلد.. ويشتري..
ونراهم ونغار ونقلد.. وهكذا..
نتضايق.. ونشعر بأن حياتنا قد ملأتها القيود والرسميات..
نتعب.. ونتألم..   لكننا لا ننفك عن أن ندور..  كقطيع.. يدور وقد وضع الأغلال في يديه.. ويدور.. ويدور..

حتى تمضي بنا الحياة..
وننسى صوتاً ندياً.. يقول لنا..

ألهاكم التكاثر.. حتى زرتم المقابر..








في محاضرة فوكو..

في الخميس, يناير 16, 2014 9 بوحكم




في كل مرة أحضر فيها محاضرة مادة الفلسفة..
أشعر بالأسى على الأساتذة الملحدين..
 شعورهم بالضياع.. أسئلتهم اللامنتهية..
قناعتهم أن الموت هو النهاية لكل شيء.. أمر مؤلم ومخيف..

بعضهم كان يشد شعر رأسه بغضب حين يسأل ويسأل ولا يجد الإجابة من عقله القاصر..

بعضهم ينهي محاضرته بعبرات ألم.. والبعض الآخر ضائع ومكابر..

في محاضرة عن أحد فلاسفة الإلحاد اليوم.. ميشيل فوكو..
الدكتورة.. بعد أن أنهكت نفسها بأسئلة حول الوجود والعدم وماورائية الموت..
وقفت قليلا..
رمقتني بين الحضور وقالت.. هل يمكن أن أطلب منك أن تقولي ما هي نظرتك لموضوع ما وراء الموت..؟

استغربت اختيارها وتفاجأت..
لكن قلت لها بكل عفوية..
كمسلمة أؤمن يقينا أن هناك حياة بعد الموت وهناك عالم آخر.. وهذه الدنيا ما هي الا وهم  ومتعة زائلة.. مجرد محطة نحو العالم الآخر..

استغربت وقالت..
لم أكن أتصور أن شخصا يصل لمستوى عال من التعليم وهو لا يزال يؤمن بذلك..!

قلت..

الإيمان لا يتعارض مع العلم.. بل يدعم كل منهما الآخر..
انت بنفسك رأيت أن الفلاسفة لم يثبتوا سوى قصور العقل البشري وعدم قدرته على الإجابة على تساؤلاته.. فكيف تعتمدون عليه وتنسون خالقه؟

وبمعادلة احتمالية منطقية بسيطة.. لو فرضنا ان احتمال الحياة الآخرة 50% واحتمال عدم وجودها 50%..فالمؤمن يكسب باحتمال 50% لا أحد ينكر ذلك.. لكن الملحد لايمكن أن يكسب! في الحالتين..خاسر

قال أحد الطلاب الملحدين..
لكن المؤمن يخسر لأنه فوت على نفسه متع الحياة!
قلت..هذه متع زائلة فقط.. ليست سعادة أبدا..
السعادة شعورك بالطمأنينة والرضا..
السعادة في الإيمان..
في شعور المؤمن أنه ليس وحيدا في هذا الكون..ولم يخلق عبثا..
بل له رب يحبه ويحفظه..
ويلجأ اليه كلما ضاقت به السبل..

السعادة..في الطمأنينة أنه حتى لو باغتك الموت وباغت من تحب.. فهذه ليست النهاية..
بل بداية لحياة أجمل ان عملت صالحا..
تصبح حياتك كلها رضا..

السعادة أنك تعلم أنك حتى لو خرجت من هذا المبنى وصدمتك سيارة فإنك تذهب الى رحمة الله.. لست خائفا من فناء عابث تنتهي بعده..

السعادة أن تعلم أنك حين تفارق أحبابك بالموت.. فهناك لقاء ينتظركم في الجنة..ان عملت صالحا..

فوجئت بها تنظر الي والدموع في عينيها..
قالت.. رائع جمييل..
كم أتمنى أن أحظى بمثل هذه الراحة... أفتقدها حقا..

لكنها سكتت..
وكأن الشيطان يأبى على الإنسان إلا أن يصده..
وقالت.. لكن لا أستطيع.. لا أستطيع..
ما الدليل..
أريد شيئا ملموسا علميا..

قلت..
ان لم تري الدليل في الجبال العظيمة والسماء الكاملة والطيور المحلقة..
في صيحة الطفل المولود بين يديك وأنت تنظرين إلى عينيه وترين الحياة كيف تبدأ..
فلن تريه..
لكن..ابحثي في قلبك جيدا.. وستجدينه..

سكتت ولم تعلق..
وانتهت المحاضرة دون أن تكمل حديثها عن فيلسوف الالحاد فوكو الذي مات بالايدز كما مات غيره بالجنون او الانتحار او الإدمان..

أدعو الله أن يهديها..
لكن..
عرفت قيمة الهداية..وشعور الخوف والألم الذي يعيشه الملحد حين يعتقد ان كل شيء سينتهي بالموت..


خرجت من القاعة وأنا أحمد الله..
لأول مرة أستشعر عظم فضل الله علينا بالهداية.. بينما غيرنا يتخبط..
وكأني للتو أكتشف تاجا على رأسي..
أسأل الله أن يثبتنا..

صليت في القاعة المجاورة..  وحين سجدت.. شعرت بذلك الرابط الذي يفتقدونه و.. تلك الصلة العظيمة بخالق الكون كله..


ركبت الباص وأنا أشعر والله أن كل شيء.. كللل شيء.. في هذه الدنيا حين يزول عنك..لايهم..
طالما أبقى لك الله نعمة الهداية..


اسأل الله أن يمن علينا جميعا بالثبات حتى نلقاه..




"حرمة" و سيارة!

في الاثنين, نوفمبر 11, 2013 7 بوحكم




أحب دائماً ألا أتحدث عن الأمور إلا بعد أن تهدأ قليلاً..
بعد أن تخفو أصوات المتصارعين من الطرفين وتهدأ هتافات الجمهور المتحمس..

من وجهة نظري..
ذلك يمنحك فرصة أكبر لتحكيم العقل.. والمنطق..
فرصة قراءة جميع وجهات النظر وتمحيصها جيداً..
يعطيك فرصة للاستماع الجيد للجميع..
ولتكوين وجهة نظر هادئة..
قبل أن تقرر ماذا تقول...

يعطي حتى للآخرين فرصة ليستمعوا إليك بهدوء أكثر مما لو حاولت التحدث وسط أصوات العاصفة..

حسناً..
 قبل أيام أو بالتحديد قبل أسبوعين تقريباً..
كانت مسألة قيادة المرأة هي الشغل الشاغل للجميع في مجتمعي..
وكنت أتلقى دوماً في كل مكان الأسئلة: ماذا يحصل في بلدكم الآن.. هل النساء سيقدن أم لا؟
الغارديان.. النيويورك تايمز.. كل صحافة العالم تتحدث..  عن هذا الخلاف الغرائبي في ذلك المجتمع..
وكنت أقول أن هذا شأن داخلي سيحدده المجتمع..
فالمجتمع نفسه هو الذي يرفض هذا التغيير حفاظاُ على هويته.. وحين يقرر أن ذلك ممكن سيحدث التغيير..
..
..
حين تنظر لمجتمعك من خارج الصندوق.. ستفهم الكثير بشكل أفضل..
حين تخرج نفسك من عضوية أي طرف لتحكم على الأمر جيداً.. سترى الأمور أفضل بكثيـــــر..
..
وما يحصل في مجتمعي الآن..
هو حرب باردة.. أو.. إن صح الوصف ساخنة..
بين تيارين..
وقيادة المرأة هي أهم ورقة يتشاجر عليها الاثنان حالياً..
كما في لعبة مونوبولي.. حين يتنافس اللاعبون على أرض أو فندق ليكون نقطة قوة له في المجتمع الافتراضي..

لم تعد المسألة هي المرأة..
أبداً..
لم تعد حمايتها.. ولا توفير حقوقها.. هي النقطة..




والدليل..
أنه.. لا دعاة التحرر.. يدافعون عن المرأة أو يهتمون بحقوقها كمعتقلة رأي.. وكسجينة.. أو كأم.. أو كمطلقة..
فجلُّ همهم هو القيادة فقط..
ولا بعض الدعاة لدينا ممن انبروا لهذه الحرب وتفرغوا كلياً لها.. مهتمين بذلك.. أيضاً..
فكل همهم هو منع المرأة من القيادة لمجرد "كسر أنوف" دعاة التحرر "الليبراليين"..

كنت أراقب الحرب الغريبة بينهم بتأمل..
يا الله..!
لماذا يفعلون ذلك..
هناك أمور أهم..
هناك أمور أهم والله..

لماذا لا يهتمون ولو قليلاً بالحقوق الأولية للمرأة.. والتي حرمت منها رغم أنها حقوق شرعية لها.. كفلها لها الله..
 كحقها في حضانة أطفالها والحصول على نفقة وحق اللجوء للقاضي دون وكيل..
كلها حقوق أساسية.. أساسية.. 
حرمت منها دون أي مبرر شرعي أو اجتماعي.. بل لمجرد فرض سلطة الرجل.. كوكيل عليها..

المؤسف..
حتى الدعاة ممن انبروا لحرب السيارة والمرأة..
لم يقدموا شيئاً يقنع المرأة بأنهم فعلاً مهتمون لحقوقها.. أو حتى لإصلاحها..

لنكن صريحين في ذلك..
هم يرغبون في حبسها عن التغيير.. في منعها.. في تغطيتها عنه- ربما بحسن نية..
لا بتحصينها أو إصلاحها وغرس الدين والقيم داخلها..

وصلنا لمرحلة يتم فيها اللجوء للمعلومات غير الموثقة بل ربما الكاذبة كخطر القيادة على المبايض لمجرد تحقيق الهدف..!
 يالله...! شيء مؤلم فعلاً..
ألا زالوا يخاطبون نفس المرأة التي كانوا يخاطبنها قبل عشرين سنة؟
ألم يستوعبوا التغيير؟

لنواجه أنفسنا..
خطر القيادة على المجتمع.. ربما كان يمكن تبريره قبل عشر سنوات.. عشرين أو ثلاثين سنة.. حين كان المجتمع منغلِقاً تماماً.. وكانت القيادة يمكن .. يمكن.. أن تؤثر عليه وعلى ثقافته..
لكن الآن..
بعد أن انفتح المجتمع عبر الانترنت والفضائيات والسفر.. وتغير الناس..
ما الذي سيتغير أكثر؟




هل ما يهمنا هو فقط التغيير الظاهر؟
أما الإصلاح من الداخل فلم يعد يهمنا..
أيُّ فكرٍ في عقل المرأة؟
أيُّ ايمانٍ في قلبها؟

نفس الأيدولوجية في التفكير..
هي سبب ذلك التناقض الرهيب في لبس المرأة السعودية للأسف داخل وخارج بلدها..
بل حين تظهر في الشارع في عباءتها.. ثم داخل المناسبات حين تخلعها..
هذا التناقض الذي يجعل شقيقاتنا من الدول العربية يستغربن من كمية الجرأة في اللبس لدينا كنساء سعوديات في مناسباتنا النسائية.. لأننا اعتدنا التغطية من الخارج لكن من الداخل.. القلوب خاوية..
هذه حقيقة لا يمكن أن ننكرها.. ونراها في المناسبات.. أقولها بكل ألم وحسرة..

خطاب كثير من الدعاة والداعيات للأسف -وليس الجميع- موجه غالباً للخارج.. للباس.. للمظهر... 
وليس للداخل.. للقلب..

نظرتهم وتقييمهم للمجتمع.. لا يزال يقبع تحت مفهوم "عيييب"..  والذي لا يستطيع كسر التقاليد الصحراوية..

قيادة المرأة لم تكن مسألة حلال أو حرام.. - كما اعتاد شعبنا للأسف.. حتى حين يسأل عن فتوى تجده يردد "يعني الزبدة.. حلال أو حرام؟؟" 
هي كانت منذ البداية مسألة أثر ونتيجة.. كانت مسألةُ تخوفٍ من آثار..
والأثر المتوقع الآن تغير..
 المجتمع بأكمله تغير..


المرأة لم تعد بحاجة لمن يفرض سلطته عليها.. ويخبرها ماذا تفعل أو لا تفعل..
لا تحتاج لمن يوقع على ورقة ليوافق على عملية جراحية تنقذ حياتها أو ليستلمها من مكان.. وكأنها طفل قاصر..
عذراً.. هذه هذه الصورة الخاطئة لولاية الرجل.. ولقصور المرأة.. لم تعد قابلة للقبول.. بأي حال..
ولا تمت للدين ولا للإنسانية ولا العقل..

لذا فالأولى.. التنازل عن ورقة الخلاف هذه.. 
والانصراف لإصلاح المجتمع من الداخل..

تم تحذير المجتمع لسنوات من البث الفضائي..
لكن ما لم يفعله الدعاة..  هو تهيئة المجتمع لكيفية التعامل معه..
المنع لا يجدي.. وعلينا أن نعي ذلك..
علينا أن نعرف كيف نتعامل.. كيف نهيء أنفسنا..
بدلاً من أن نتحول إلى ذلك الشعب الذي لم يجرب شيئاً فانجرف إليه حين فتح له بكل قوة..
...............................................

لم أقابل امرأة سعودية إلا وهي تعاني من مشكلة النقل..
التنقل لدينا صعب صعب.. شئنا أم أبينا..
بل هي معاناة مؤلمة.. قد تحرمك من كل شيء.. 
حتى من شعورك بالإنسانية وبأن من حقك التنقل وقضاء حاجاتك وأولوياتك.. 
جميعنا كنساء سعوديات نعي ذلك جيــــــــداً..
ومن تنكره فهي بكل صراحة إما مبالغة أو لديها حالة استثنائية عن القاعدة ولا يحق لها التحدث باسم الجميع...
لكل امرأة في العالم حق أن تنتقل.. وهو أبسط حقوقها..
وجميعنا يعلم جيداً أنه لا يوجد أي نص.. أي نص.. يحرم قيادة المرأة أو حتى يجعله ضمن المكروهات..




جميعنا يعلم أن كل ما تم الاستناد إليه.. هو مسألة درء المفاسد.. والتي تم تحريم الكثير باسمها للأسف..
لكن الحقيقية..
هي أن المفاسد تنمو بعيداً..
هناك في البيوت المغلقة..
في المدارس.. في الجامعات..
حين قصرنا جميعاً في جهود الدعوة والإصلاح..
وانبرى أكثر أهل الإصلاح للأسف لمسألة مثل قيادة المرأة..

المجتمع يغرق من الداخل..
ونحن لا نزال نركز على مسائل خارجية.. مثل توظيف المرأة والقيادة..
مسائل لا تزيد سوى من حنق المجتمع للأسف على الدعاة والمصلحين الذين كان يجب أن يكونوا نصير الناس والناطق بحقوقهم..

المجتمع اليوم يقف خائفاً..
لأنه يعلم يقيناً أنه بحاجة لمزيد من الحقوق للمرأة..
لكن الحقوق التي لا تضر بدينه ولا أخلاقه..
يريد حقوقه.. لكن لا يريد أن يفقد دينه ولا ثقافته ولا هويته..




المجتمع السعودي البسيط.. متدين بطبعه وفطرته.. ومتمسك بدينه وثقافته..
ويريد الحفاظ على موروثه الديني والثقافي.. لكنه لا يجد القائد.. الذي يتحدث باسمه..
حين ينظر للأسف.. لا يجد من دعاة حقوق المرأة إلا أولئك الذني تخلوا عن هويتهم الدينية والثقافية - غالباً- باحثين عن نموذج غربي للمجتمع..
وهذا ما لا يريده..
....

الناس العاديون.. الطيبون في بلدي.. يريدون.. من يحفظ لهم هويتهم ودينهم..
وفي نفس الوقت.. يكون واقعي التفكير.. يفهم حقيقة مأسأة النساء في مجتمعنا..
ودون مجاملات أو أكاذيب يضحك بها على نفسه..
الكثيرون وأنا أولهم..
نريد من يقول.. نعم.. نريد حقوقاً للمرأة..
لكن! في إطار ديننا وهويتنا.. 
لا نريد التنازل عن شيء من ديننا وهويتنا..
...



وهل في الحقوق تنازل؟
ماذا لو قادت المرأة؟
وماذا لو عملت في أماكن كثيرة؟
وماذا لو تم سن قانون تحرش يحميها؟
المحتشمة ستبقى كذلك..
والمتبرجة ستبقى..
سواء داخل السيارة أو خارجها..
كما هو الحال الآن تماماً.. في الأسواق وفي كل مكان..


المسألة ليست مجرد قضية قيادة..
لكنها مسألة.. أيدولوجية كاملة.. طريقة تفكير.. نضحك بها على أنفسنا.. حين نعتقد أن سيطرتنا على المظهر الخارجي.. تعني أننا سيطرنا على المجتمع.. وأصلحناه..

أرجـــــــــــــــوكم..
لنصلح المجتمع من الداخل.. ولن يضر أي انفتاح يحصل..
الفساد لن يأتي بسبب سيارة..  ولا بسبب وظيفة..
الفساد يأتي حين ينشأ لدينا جيل.. عقله مليء بأفكار الحادية..  ولا يجد من يحاوره..
حين ينشأ لدينا جيل لا يفهم من الحجاب سوى قطعة سوداء يرميها في أقرب طيارة.. ولا يجد من يبين له..
حين ينشأ جيل يقيم علاقاته المحرمة عبر جهاز جواله.. ولا يجد من ينصحه..
 حين ينشأ لدينا جيل يكره كل ما له صلة بالمتدينين الذين لم يفهموا معاناتهم.. وحرموهم حقوقهم سنوات طويلة.. 
للأسف الشديد..



الجيل اليوم لا يجد من يتحدث باسمه.. سوى دعاة التغريب..
فينجرف خلفهم.. لأنه لم يجد غيرهم ينادي بحقوقه ويفهم معاناته وآلامه.. 
أصبحوا يمثلون الصورة الأيقونية له.. صورة البطل الذي يفهمه ويقف بوجه المجتمع لينادي يحقوقه..

لأجل كل ذلك..
أرجوكم..
أخرجوا المسألة من صورة..
سيارة و"حرمة" التي تربيتم عليها بالخطأ..
لنخرجه من صورة أتحداااااك تسويها! 
و.. يا أنا يا أنت يا الليبرالي..!
والتي لازلتم تتقاتلون عبرها..

ولنفكر ولو مرة.. في.. 
 تلك "الحرمة" التي تتقاتلون عليها..




..............................

مصادر الصور:
http://s.alriyadh.com/2011/11/23/img/422746958950.jpg
http://images.alarabiya.net/39/9f/436x328_17765_223593.jpg
https://encrypted-tbn3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcReRs-Z1uZp95OwXYBSyrn8HY1WOyOVsMnqKTAfEDvV6vxY_8WW
http://3.bp.blogspot.com/_GXbA0WP5pB4/S_nQGLbnhHI/AAAAAAAADQc/pZy2E2dUrA0/s1600/iStock+conflict.jpg
http://www.iedp.com/Pages/ImageManager/Blog%20images/future%20business%20leaders.jpg
http://www.arabseyes.com/vb/uploaded/15269_1164368868.jpg
http://www.al-eman.com/aleman/others/recommendation-image/1831.jpg
http://www.sayidaty.net/sites/default/files/imagecache/galleryformatter_slide/1-sjenat_1.jpg







ذلك الشيء الذي لا نعترف به..

في الاثنين, مايو 06, 2013 0 بوحكم
 

أتأمل دائماً في عتاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه
ما بين "عبس وتولى" بكل قوتها التي تجعلنا نستشعر انقباض قلب نبينا صلى الله عليه وسلم.. و"عفا الله عنك لم أذنت لهم" بكل رقتها ولينها..
ما بين اللوم على الميل في "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك".. وكشف أسبار النفس وحرجها في "وتخفي في نفسك ما الله مبديه"

أكثر من اثني عشر موضعاً عاتب الله فيها نبيه الكريم في القرآن..
كلما مررت بها.. أقف ويدي على قلبي متخيلة موقف نبينا الحبيب حين أنزلت..
كيف صدح بها؟

أي شجاعة ليصدع بعتاب الله له أمام الخلق أجمعين.. أمام الآلاف من كفار قريش ممن ينتظرون منه الزلة ليشمتوا به.. ومئات المنافقين ممن لا يفوتون فرصة للطعن والاستهزاء به وبالدين..
لو استشعرنا تلك الآيات.. والظروف التي نزلت بها.. وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم حينها.. لما رفعنا أيدينا عن قلوبنا ونحن نقرأها..
كنت أتساءل.. لم اختار الله سبحانه أن يخلد هذا العتاب..؟
لم أراد الله أن يخلد في ذكره المحفوظ عتابه لنبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم..؟ و لم يجعله سراً خفياً يوحيه إليه..
مالذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا؟

لعل من أعظم الحكم التي لا تخفى..
هو أن ذلك دليل واضــــــــــح على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم..
فأي شخصٍ يمكنه أن يدعي أن هذا كلام رب العالمين ثم يضمنه عتاباً ولوماً له وتصريحاً بزلاته؟؟

ثم هو دليل على كمال رسولنا صلى الله عليه وسلم..
وعلى تتبع الله لزلاته الصغيرة وتبيينه لها أولاً بأول.. فلا يكاد يميل قلبه مجرد ميل بسيط لأمر لا يرضاه الله.. حتى يأتيه العتاب مباشرة من فوق سبع سماوات..
فلا مجال لأن يكون لهذا النبي العظيم أخطاء يسكت الله عز وجل عنها..
فالعتاب هو الدليل على كماله صلى الله عليه وسلم وعصمته من الخطأ في الدين..



ومع مرور الزمن..
تتجدد المعاني.. وتتجدد العظمة في كل آية من كتاب الله.. لتكون هادية لنا في طريق الفتن..
مع كل يوم.. بدأت أرى حكماً وفوائد أخرى عظيمة للعتاب الرباني العظيم..

حين أقلب جوالي كل يوم..
وأرى تلك المعارك الطاحنة التي تدور في رحى الإعلام الجديد حين يقع داعية أو إنسان خير في خطأ..
وكيف ينقسم الناس مباشرة بعدها إلى فريقين..

فريق يدافع عنه باستماتة وينكر الخطأ أصلاً..  أو يبرره.. وكأن الداعية ملاك لا يخطيء..
وقسم يبدأ بالهجوم بشراسة.. وكأنه كان ينتظر الخطأ.. فيكبره ويجرمه.. وكأن المفترض بالداعية ألا يخطيء.. وأن يكون منحوتةً من الكمال الخالص..

أتأمل بألم.. ولا أستطيع التحدث دائماً..
لأني أعرف أني ان تكلمت سيساء فهمي..
أحب الصالحين والدعاة.. من كل قلبي.. واسأل الله أن يحشرني معهم..
وأعلم يقيناً كم ينتظر البعض منهم أبسط زلة ليصنعوا منها معركة.. أعلم حقيقة الوضع..
لكن هذا لا يعني أن أدعي لهم الكمال.. ولا يعني ألا أعترف بأخطائهم.. وأنكرها..

لأن هذا يعني ببساطة.. أني أقدس الأشخاص.. على حساب الحق..!
هذا يعني أن أنسى أن علي أن أعرف الرجال بالحق.. لا الحق بالرجال!

مصلحٌ معروف يقول كلاماً لا مصدر له أو يسيغ اتهامات لأشخاص وجهات دون تثبت أو يقدح في أناس.. أو ينتحل كلاماً من مرجع آخر وينسبه لنفسه.. وأخرى نحسبها والله حسيبها تقول كلاماً أيضاً لا مصدر له ثم يتضح أنه خطأ للأسف..
المؤلم أننا لا نرى أحداً منهم يعتذر للأسف..
لا نرى من يعترف بخطئه.. ويربي هذه الأجيال التي تتابعه كقدوة شجاعة في زمن التخبطات..
ونحن نحبهم.. ونحب ما يقومون به من الخير..
لكن لماذا.. لماذا يتركون هذه الأخطاء تشوه صورتهم؟
لماذا نستحي من الاعتراف بالخطأ..؟

الله سبحانه عاتب نبيه وهو أكمل الخلق.. ووضح لنا زلاته.. حتى نتعلم.. أن الكمال لله وحده.. وأن المطلوب منا ليس أن نكون كاملين.. بل أن نعترف بذنوبنا وأخطائنا ونتوب إلى الله منها..
الله يعلمنا.. حين عاتب نبيه..
أن لا نستحي من ذكر الحق..  أن لا نستحي من الاعتراف بالخطأ.. وبأن نعود منه..

كما أن كوني أبين خطأك لا يعني أبداً أني لا أحبك.. 
الله سبحانه عاتب نبيه وبين له.. وهو أحب الخلق أجمعين له..

الله خلد زلات نبيه.. وخلد عتابه له.. ليعلمنا أن زلة أكمل الخلق.. ليست نقصاً في الدين.. وأن عتابه ليس نقصاً في المحبة بل كمالاً لها..
الله يعلمنا أن الخطأ ليس عيباً.. والعتاب كذلك..
الرحمة والهداية كلـــــــــــــها في تبيين الخطأ والتنبيه عليه.. لا الدفاع عنه وإنكاره.. والاستكبار عليه..
والكمال من المخطئ في الاعتراف به.. والتوبة منه.. 

ليتنا نتعلم ذلك..
ليتنا..



قبس:
"نعم الأنبياء والرسل يخطئون ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم بل يبين لهم خطأهم رحمة بهم وبأممهم ويعفو عن زلتهم ويقبل توبتهم فضلا منه ورحمة والله غفور رحيم كما يظهر ذلك من تتبع الآيات القرآنية "
عبد العزيز بن باز - عبد الرزاق عفيفي - عبد الله بن غديان - عبد الله بن قعود . " فتاوى اللجنة الدائمة " برقم 6290 ( 3 / 194 ) 

بطاقة هوية..

في الثلاثاء, أبريل 23, 2013 14 بوحكم


إهداء لحملة بطاقة هوية.. للفتيات الرائعات التي حملن مشعل العزة بالدين..

كنت أٌقف على الرصيف في انتظار السيارة.. وقربي تماماً زميلة..
كان يوماً بارداً كالعادة.. الثلج توقف منذ أيام.. لكن لا زالت بعض آثاره على الرصيف..
وهناك أمامي على الرصيف الآخر كانت تقف سيدة باكستانية.. تنظر إلي منذ فترة..
ابتسمت لي فأشرت لها بيدي..
اعتدت نظرات الاحترام والمحبة من اخوتنا المسلمين هناك..
رؤية امرأة محجبة ومنقبة تستثير في النفس شعور المحبة في الله.. شعور العزة بالدين..
جربت هذا بنفسي حين أرى أختاً ملتزمة بحجابها في أي مكان..
بعد دقائق قليلة.. وبينما كنت أتحدث مع زميلتي..
إذا بالسيدة تعبر الشارع وتتوجه نحوي مباشرة لتسلم علي بحرارة.. ثم.. تعانقني بشدة.. نظرت إليها.. كانت الدموع في عينيها...
قالت لي.. أختي.. أنا فخورة بك.. فخورة بك جداً..
يالله.. عندها فقط.. تستشعر عظم المسؤولية الملقاة على عاتقك.. وكيف أنك يمكن أن تقول الكثير فقط بحجابك ومظهرك..
قلت لها.. أختي الحبيبة.. وأنا بك فخورة أكثر.. أنا انسانة مليئة بالعيوب والنقص.. ونسأل الله المغفرة..
كانت مرتبكة وهي تقول بعبارات متقطعة.... حين رأيتك.. شعرت بأني مقصرة.. شعرت بأن هذا الدين العظيم.. أنا فخورة حقاً بك..

كانت كلماتها تشعرني حقاً بحجم المسؤولية.. حتى كدت أخنق دمعاتي..
انصرفت.. وبقيت وحدي.. ثم غادرت زميلتي..
وأثناء عودتي.. أخذت أفكر في أمر لم يخطر على بالي قبل دقائق..
زميلتي التي كانت تقف قربي.. كانت محجبة ومنقبة أيضاً..
لماذا لم تتوجه إليها..؟
لا فارق بيننا..
فكرت طويلاً.. قبل أن أصل لنتيجة..
كانت زميلتي تلك.. انسانة رائعة.. 
لكن.. لديها مشكلة واحدة..
تفتقد العزة..
كانت دائماً خائفة وقلقة وتعتقد أن كل الناس تستهزئ بها..
كانت دائماً تتلفت بخوف..
حين أسير معها لا تتوقف عن تنبيهي لكون تلك نظرت إليها أو ذاك يحدق بها..
تعبت وأنا أقول لها.. أنت تتوهمين..
ولو حصل هذا.. فهذا أمر طبيعي.. لماذا تخافين وتخجلين.. افخري بحجابك.. ارفعي رأسك به..
وجهة نظري هي أن لا أتوقف بسبب حجابي.. أن أقتنع به... وأكون فخورة ومعتزة..
أتحدث مع الآخرين.. أسأل.. أستفسر..
وهناك أشياء تنبع من داخلك.. قد لا يراها الآخرون.. لكنهم حتماً يشعرون بها..
حين تكون خجلاً مما أنت عليه.. فأنت تجذب النظرات السلبية والشفقة من الآخرين..
وحين تكون فخوراً معتزاً.. فإن الجميع سيسمع هذا الصوت القوي من داخلك.. وسينحني احتراماً لك..
...
قد تكون مقصراً في حق ربك.. قد تكون غير ملتزم بشعائر دينك..
لكن أرجوك.. مهما حصل لا تتوقف عن الاعتزاز بدينك..
لا تنكمش في مكانك حين يسألك أحد عنه..
العزة في داخلك يقول الكثير قبل أن تتحدث..
قامتك.. مظهرك.. ثباتك.. حديثك.. ثقتك.. مبادرتك.. تفاعلك..
سبحان الله وكأننا نستشعر في الغربة أكثر من أي مكان آخر.. أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..


كنت دائماً أستغرب..
لماذا البعض يتعرض للعنصرية أكثر من غيره؟
أعرف امرأتين سافرتا لنفس البلد.. تقول الأولى.. لم أستطع تحمل النقاب والجلباب.. نظراتهم أتعبتني.. واجهت عنصرية شديدة.. تعبت جداً.. وتخليت عنه..
وتقول الثانية.. أعيش هناك منذ خمس سنوات.. والحمدلله لم أواجه أي أذى.. بالعكس الجميع يحترمني ويعاملني أفضل معاملة..

لماذا؟
ما هو الفرق؟
حين سافرت رأيت الفارق بأم عيني..
الفارق هو أن البعض يجتذب العنصرية والنظرة السلبية.. بضعفه.. وخجله.. وعدم اعتزازه بما يفعل..
والنفس البشرية مجبولة على احترام المعتز الواثق.. وعلى احتقار الضعيف الخائف..
هذه غريزة بشرية فطرية..

وكمثال..
لو رأيت شخصاً يسير أمامك في الشارع وهو يرتدي قبعة كبيرة على رأسه.. كيف ستنظر له؟
إن كان الشخص خائفاً قلقاً.. يلتفت وينزل رأسه.. ويتهرب من الناس..
فستشعر بالاستغراب منه وكأنه يفعل شيئاً غريباً أو مضحكاً..
بينما لو كان يسير بقوة وبخطوات ثابتة.. رافعاً رأسه مبتسماً.. يتحدث مع الناس بكل ثقة وأريحية..
فسيزول الاستغراب بسرعة.. وستتأقلم مع مظهره وتتقبله.. ثم ستحترمه لأنه استطاع التأقلم مع هذا الزي الغريب بكل ثقة.. ستعجب بمدى ثقته وقوته..

سرت يوماً مع بعض الزميلات..
فإذا بفتاة منصرة تعترضنا بأدب.. كان عمرها صغيراً حوالي 17 عاماً.. أخذت تتحدث لنا عن المسيح وتحاول إعطاءنا منشورات عنه..
غضبت زميلتي ونهرتها بشدة:  نحن نعرف من هو أفضل منكم ولا نحتاج لأن تخبرينا شيئاً!
زميلتي الحبيبة هذه متمسكة بدينها.. لكن.. آلمني هذا التصرف.. 
لأنه يوحي بأنك ضعيف!
حين تخاف.. ستصرخ..
أما حين تكون واثقاً.. فلن تحتاج لذلك..
قلت للفتاة.. أنا أقدّر أن لديك اهتماماً بالدين في هذا السن... وأنك تقفين في الشارع لساعات فقط لتدعي الناس لما تعتقدين أنه الحقيقة.. أنا أحترمك..
أنا أحترم أنك تحاولين الآن في نظرك أن تنقذينا..
لكننا نحن أيضاً في المقابل نريد إنقاذك..
أتمنى عزيزتي أن تقرئي شيئاً عن نظرة الإسلام لعيسى.. لن يكلفك ذلك شيئاً..
وأنا سأقرأ ما أعطيتني إياه..
ابتسمت وشكرتني كثيراً.. ووعدتني بأن تقرأ عن عيسى في الإسلام..

سرنا بعدها وصديقتي الغالية لا تزال غاضبة..
البعض قد يعتقد أن العزة تعني القسوة أو الصراخ أو عدم احترام القوانين..
كلا..
الاعتزاز بالهوية.. يعني ألا تخجل من دينك.. أن تفخر بدينك وشعائره..
أن ترفع رأسك به.. بكل ثقة وثبات.. وبكل خلق وأدب..

صغيري حين كان في المدرسة..
كنت أؤكد عليه أن يسأل عن الأطعمة الحلال وغير الحلال حين يذهب لمطعم المدرسة..
كان في البداية يقول أنه يخجل..
شرحت له أن هذا الأكل الحرام حين ينبت في جسمه سيكون مصيره النار.. وأن علينا ألا نخجل من ذلك.. نحن طلاب آخرة.. هذا أهم ما نسعى إليه..
"يمه صرت كل يوم أسأل الطباخة هذا حلال والا لا؟.. حتى الحليب أسألها حلال وإلا مو حلال.. مدري ليه ضحكت علي"..


حين تشعر بالغربة.. راجع هويتك..
ضع يدك على قلبك لتتحسس تلك البطاقة..  ثم أبرزها للآخرين باعتزاز..
أنا مسلم.. وأفتخر..
نعم..
أنا من تشرفت بعبودية الله..
أنا من شرفني ربي بالهداية.. نسأل الله الثبات عليها..
أنا من اختارني الله لأن ألتزم بشعائره..
لم أخجل؟ لم أتردد؟ لم أهتم لبعض النظرات؟
حين يمر شخص ثري عليه ثوب مرصع بالجواهر والدرر على قوم فقراء حفاة عراة في الشارع.. أليس من الطبيعي أن ينظروا له؟
هل يعني هذا أنه أقل منهم؟
الجواب في داخل الشخص نفسه.. في قناعته هو.. ونظرته لنفسه..

حين كنت في الطائرة من ليدز إلى لندن..
كان خلفنا رجل مسن وزوجته.. وكانا ينظران لي باستمرار..
شعرت بالخجل الشديد لإزعاجهما لأن لطوفة كانت تصيح وتصرخ طوال الرحلة رافضة وضع حزام الأمان (تخبرون المواقف إياها صراخ ورفس وطيحة وجه)..
حين نزلنا في المطار وركبنا التاكسي فوجئت بهما يجريان خلفنا.. ويطرقان نافذة السيارة علي ليبتسما ويرفعا يدهما بإشارة التشجيع Thumb up.. ويرسلا لأطفالي قبلاتهما..
ما الذي أعجبهما بنا؟
تحسست نقابي المتسخ بآثار الحليب وملابسي الملطخة بالشوكولاته..
لماذا Thumb up؟ ما الذي أرادا قوله؟
شعرت بهما يقولان.. نعم.. لأنك محافظة ومستترة.. نعم.. لأنك متمسكة بما تقتنعين به..
صديقتي أيضاً واجهت موقفاً مشابهاً حين اتجهت لها امرأة أجنبية مسنة لتعبر الشارع في المطر الشديد.. لتعانقها وتقول لها.. أنت على حق.. أنت على حق!


أنا لا أقول أنه لا توجد عنصرية..
لكن ما أقوله.. هو أن الناس تشعر بشعورك.. تشعر بعزتك..
وعزتك تجلب الاحترام.. بينما خوفك وتبعيتك وضعفك.. لا يجلب سوى احتقار من تتبعهم..

من اليوم..
تذكر أن تتحسس تلك البطاقة في قلبك.. المكتوب عليها.. أنا مسلم..

إهداء..
نشيد أنا مسلم..